جيرهارد شرودر

أضف رد جديد
صورة العضو الشخصية
مازن
مشرف
مشرف
مشاركات: 5410
اشترك في: الأربعاء مايو 03, 2006 7:52 pm
مكان: Egypt

جيرهارد شرودر

مشاركة بواسطة مازن » السبت نوفمبر 12, 2011 7:11 am

يُجمع من يتناول أو يقرأ الشخصية الألمانية أنه يلمس فيها قوة الشكيمة والعزيمة والإصرار على تحقيق مرادها أيًا كانت العواقب والتحديات في أي مجال، رغم اتفاق البعض أو اختلافه على أن هناك شخصيات ألمانية أبلت بلاء حسنًا في كافة المجالات سواء السياسية أو الاجتماعية أو العلمية أو حتى العسكرية، وحققت النجاحات والشهرة في العالم، وهناك أيضًا شخصيات حققت الكثير والكثير بل وغيرت وجه التاريخ – أمثال هتلر– بتماديها في إيمانها بتفوقها الساحق دون النظر إلى من حولها، وأدى تهورها هذا إلى تداعيات خطيرة أزهقت الأرواح وغيرت مسار أمم وشعوب...
لكن ما من شك أن الغوص في بحور الشخصية الألمانية يُخرج كنوزًا مليئة بالدرر، ويمكن للمرء أن يستفيد منها حتى لو كانت قد تهورت– بشكل ما- من أجل عالم أفضل تسوده المحبة والديمقراطية والاستفادة العلمية والأدبية والدينية ولنشر الفضيلة والعدل بدلاً من الرذيلة والظلم... لذلك يحار كل مُطّلع وباحث عند اختياره شخصية ألمانية بعينها لتسليط الضوء عليها للقارئ العزيز، ومن ثم فإن اختيارنا لعدد من الشخصيات الألمانية في عددنا هذا ما هو إلا محاولة لتسليط الأضواء عن مكنون العقلية الألمانية وتحديها للظروف لتحقيق هدفها سواء كان الإنسان متفقًا أو مختلفًا معها. لذلك فإن اختيارنا للأمثلة القادمة ذكرها من رموز ألمانية ليس معناه أنهم الأفضل، بل هو اختيار قد يصادفه رضا القارئ أو لا، لكنه في المقام الأول مسبار في أغوار ماهية العقلية الألمانية بإيجابياتها وسلبياتها، لعلّ وعسى نستفيد من الإيجابيات ونبتعد ما نستطيع عن السلبيات.
جيرهارد شرودر: (1944م -.....)
وشتان الوضع بين تولي الزعيم النازي هتلر عام 1933م منصب المستشار في ألمانيا وبين تولي غيره من الزعماء الديمقراطيين الألمان هذا المنصب عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية أمثال المستشار أدينهاور وهلموت شميت وهلموت كول... ثم المستشار السابق جيرهارد شرودر الذي جاء كل منهم بانتخابات ديمقراطية على رأس جهاز الدولة ليحقق كل منهم طفرات عملاقة في تاريخ ألمانيا ما بين نهضتها من عثرتها بعد الحرب ثم معايشة تقسيمها إلى شرقية وغربية، ثم العمل على توحيدها مرة أخرى ووقوفها قوية بين دول العالم، بل وازدياد عملقتها بينهم لتعود أكبر من السابق، وهو أمرٌ كان السبب الرئيسي في ترسيخ قوتها الاقتصادية وقبلها الديمقراطية.
ولعل أكبر مثال على ذلك المستشار السابق جيرهارد شرودر الذي وُلد عام 1944م أي عندما كانت الحرب العالمية الثانية تلفظ أنفاسها، وكان المستشار آنذاك هتلر يقترب من أفول نجمه واختفائه عن الساحة. كان جيرهارد الذي وُلد من رحم الحرب العالمية الثانية معايشًا تلك الحرب من خلال سقوط والده فيها وبالذات في رومانيا، وشب يتيمًا رعته والدته، وأكمل تعليمه المهني عام 1961م وانضم للنقابات العمالية آنذاك وأتم دراسته الثانوية الألمانية عام 1968م، ثم درس المحاماة حتى عام 1971م، وبدأ في ممارسة هذه المهنة عام 1976م، واهتم بالعمل السياسي حتى أصبح رئيسًا لولاية سكسونيا السفلى عام 1990م بعد فوز حزبه الديمقراطي الاشتراكي هناك بالانتخابات، ثم أكد هذا الفوز في انتخابات 1994م بأغلبية مطلقة ليختاره حزبه الاشتراكي عام 1998م زعيمًا لحملته الانتخابية على مستوى البلاد في منصب المستشار في هذا العام، وليفوز حزبه في الانتخابات العامة في تلك السنة بعد 16 عامًا من حكم المحافظين (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) بزعامة المستشار الأسبق هلموت كول، ونظرًا لعدم تمكن الحزب من الحصول على الأغلبية المطلقة نجح في تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الخضر وأزاح بذلك المحافظين لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ ألمانيا بزعامة شرودر الذي سطع نجمه بشخصيته الجذابة وحضوره الإعلامي ولباقته، وقاد البلاد 7 سنوات اعتبرها النقاد والمراقبون السياسيون بمثابة علامة فارقة في التاريخ السياسي الألماني المعاصر.
وواجه المستشار شرودر تحديات ضخمة في بداية توليه المسؤولية نظرًا للكساد الاقتصادي ونسبة البطالة المرتفعة وكذلك عبء إعادة بناء اقتصاد الجزء الشرقي لألمانيا التي تم توحيدها في عهد سلفه كول، كل هذه الأعباء عجلت بإسراع حكومته في اتخاذ إجراءات اقتصادية وإصلاحية شاملة لم تنل إعجاب البعض وثارت عليه المعارضة وانتقدت خططه الإصلاحية، لكنه لم ييأس ولم يتراجع وحاول مع أعضاء حكومته تدعيم نموه الاقتصادي وتقوية الاتحاد الأوروبي، كما عارض الكثير من السياسات الخارجية لطموحات المارد الأمريكي مثل التدخل العسكري في العراق ودعا إلى الحل السلمي مما أكسبه شعبية خارجية وداخلية، لكن الشعب في الداخل يفرق بين مصالحه ومواقف بلاده الخارجية، فشعر بأن الأمر الداخلي مهتزٌ خاصة من الناحية الاجتماعية وأن تلك الإصلاحات تجاهلت هذا البعد فتحول هذا التأييد الذي ظهر في بداية مشواره السياسي إلى نقمة شعبية شديدة نظرًا لازدياد حدة البطالة بصورة لم يسبق لها مثيل وما رافقها من تقليص لقدر الإعانات الاجتماعية، فآثر شرودر أن يكون قراره بوضع مستقبله في يد الناخب الألماني حتى تعود إليه الثقة والقوة في اتخاذ القرار، ورأى أن ذلك يتمثل في التبكير بانتخابات نيابية مبكرة عن موعدها عامًا كاملاً، مفضلاً التضحية بهذا العام من مدة مسؤوليته الشرعية، وحصل على موافقة البرلمان والرئيس الألماني، وهو ما اعتبر بمثابة شجاعة سياسية نادرة في وقت يتشبث فيه الحكام بمواقعهم ومقاعدهم، ليس من أجل الديمقراطية ومصالح بلادهم وإنما من أجل مصالحهم الخاصة، وكان أن رأى شرودر أن سيطرة المحافظين المسيحيين على 11 ولاية ألمانية من أصل 16 ولاية في الانتخابات المحلية طوال ثلاث سنوات ما هو إلا مؤشرٌ على أن شعبيته بدأت في الانحسار خاصة بعد هزيمة حزبه الاشتراكي الديمقراطي في آخر انتخابات في ولاية نورد راين فيستفالن والتي تُعتبر معقل حزبه، وهذا يحدث لأول مرة منذ خمسين عامًا، لذلك قرر في مايو عام 2005 وبطريقة مفاجئة تعجيل إجراء الانتخابات النيابية قبل موعدها الرسمي بعام، وعلّل ذلك بأنه يريد أن يتأكد من ثقة الشعب الألماني به وبسياسته الإصلاحية وإلا فإنه لا يستحق هذا المنصب، وهو ما أثار دهشة المراقبين والمقربين منه، بل إنه ساعد في البرلمان بشكل كبير في عدم منح حكومته الثقة ليفتح الباب أمام تلك الانتخابات ليحصل حزبه على المركز الثاني بعد الحزب المنافس الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشارة الحالية أنجيلا ميركل لتأتي النتيجة المفاجئة كنهاية لمشواره السياسي، إذ تنازل عن المنصب لميركل وتفرغ من جديد لعمله كمحامٍ وتحرير كتاب عن حياته من خمسمائة صفحة سينشر في أكتوبر القادم عبارة عن مشوار حياته السياسية منذ طرق أبوابها مرورًا برئاسته للحكومة في سكسونيا السفلى ونهاية بسبع السنوات التي قضاها في السلطة كمستشار والتي يراها حاسمة في تاريخ ألمانيا، وعليه فإن المستشار السابق شرودر بمشواره السياسي يُعتبر علامة فارقة في حياة الألمان، بداية من بدء حياته كمحام وعضو في الحزب الاشتراكي ورئيس له خلفًا لزعماء كبار أمثال فيلي برانت وهلموت شميت حتى تولى أرفع المناصب في البلاد وتركها بحريته الشخصية، لم يتمسك بالمنصب ولم يحطم بلاده ويهدم الأخضر واليابس، بل آثر أن يساهم في تنميتها والنهوض بها قدر المستطاع. وحينما رأى أن مشواره قارب على الانتهاء آثر الابتعاد قبل أن يبعده شعبه، ولذلك أحبه شعبه وزادت شعبيته بريقًا ولمعانًا. وكان مثالاً حيًا لديمقراطية الأفراد والشعوب ومثالاً حيًا على تساوي الفرص في ألمانيا حيث كانت بداية المستشار السابق جيرهارد شرودر الذي ينتمي إلى أسرة فقيرة بداية متواضعة لم يخجل منها لكنه بلغ أعلى المناصب في النظام السياسي الألماني وساهم بقدر كبير في نهضة بلاده كغيره من زعماء ألمانيا.
صورة

أضف رد جديد

العودة إلى “منتدى التاريخ العالمي”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد